الشوكاني
179
فتح القدير
وبدلوا وتركوا الترهب ، ولم يبق على دين عيسى إلا قليل منهم ، وهم المرادون بقوله ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) الذي يستحقونه بالإيمان ، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لما بعثه الله ( وكثير منهم فاسقون ) خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به ، ووجه الذم لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم الرهبانية معتقدين أنها طاعة وأن الله يرضاها ، فكان تركها وعدم رعايتها حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينا . وأما على القول بأن الاستثناء متصل ، وأن التقدير : ما كتبناها عليهم لشئ من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن وفقناهم لابتداعها فوجه الذم ظاهر . ثم أمر سبحانه المؤمنين بالرسل المتقدمين بالتقوى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) بترك ما نهاكم عنه ( وآمنوا برسوله ) محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( يؤتكم كفلين من رحمته ) أي نصيبين من رحمته بسبب إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل ، وأصل الكفل الحظ والنصيب ، وقد تقدم الكلام على تفسيره في سورة النساء ( ويجعل لكم نورا تمشون به ) يعني على الصراط كما قال - نورهم يسعى بين أيديهم - وقيل المعنى : ويجعل لكم سبيلا واضحا في الدين تهتدون به ( ويغفر لكم ) ما سلف من ذنوبكم ( والله غفور رحيم ) أي بليغ المغفرة والرحمة ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) اللام متعلقة بما تقدم من الأمر بالإيمان والتقوى ، والتقدير : اتقوا وآمنوا يؤتكم كذا وكذا ليعلم الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب ( أن لا يقدرون على شئ من فضل الله ) ولا في قوله " لئلا " زائدة للتوكيد ، قاله الفراء والأخفش وغيرهما ، وأن في قوله " أن لا يقدرون " هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف وخبرها ما بعدها ، والجملة في محل نصب على أنها مفعول يعلم ، والمعنى : ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على أن ينالوا شيئا من فضل الله الذي تفضل به على من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يقدرون على دفع ذلك الفضل الذي تفضل الله به على المستحقين له ، وجملة ( وأن الفضل بيد الله ) معطوفة على الجملة التي قبلها : أي ليعلموا أنهم لا يقدرون وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه ، وقوله ( يؤتيه من يشاء ) خبر ثان لأن ، أو هو الخبر ، والجار والمجرور في محل نصب على الحال ( والله ذو الفضل العظيم ) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها ، والمراد بالفضل هنا ما تفضل به على الذين اتقوا وآمنوا برسوله من الأجر المضاعف . وقال الكلبي : هو رزق الله ، وقيل نعم الله التي لا تحصى ، وقيل هو الإسلام ، وقد قيل إن " لا " في لئلا غير مزيدة ، وضمير لا يقدرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه . والمعنى : لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون على شئ من فضل الله الذي هو عبارة عما أوتوه ، والأول أولى . وقرأ ابن مسعود " لكيلا يعلم " وقرأ خطاب بن عبد الله " لأن يعلم " وقرأ عكرمة " ليعلم " وقرئ " ليلا " بقلب الهمزة ياء ، وقرئ بفتح اللام . وقد أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه ، وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق ابن مسعود قال : " قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا عبد الله ، قلت لبيك يا رسول الله ثلاث مرات ، قال : هل تدري أي عرى الإسلام أوثق ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم ، يا عبد الله هل تدري أي الناس أعلم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا بالعمل وإن كان يزحف على استه ، واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها : فرقة وازرت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم ، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم